فخر الدين الرازي

543

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وغير ذلك من الأمور الحسنة ، والظاهر هو الأول ، وعن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد [ و ] قال : اللهم أجبت دعوتك ، وصليت فرضيتك ، وانتشرت كما أمرتني ، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين ، وقوله تعالى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً قال مقاتل : باللسان ، وقال سعيد بن جبير : بالطاعة وقال مجاهد : لا يكون من الذاكرين كثيرا حتى يذكره قائما وقاعدا ومضطجعا ، والمعنى إذا رجعتم إلى التجارة وانصرفتم إلى البيع والشراء مرة أخرى فاذكروا اللَّه كثيرا ، قال تعالى : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ . وعن عمر رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « إذا أتيتم السوق فقولوا لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، فإن من قالها كتب اللَّه له ألف ألف حسنة وحط عنه ألف ألف خطيئة ورفع له ألف ألف درجة » وقوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ من جملة ما قد مر مرارا ، وفي الآية مباحث : البحث الأول : ما الحكمة في أن شرع اللَّه تعالى في يوم الجمعة هذا التكليف ؟ فنقول : قال القفال : هي أن اللَّه عز وجل خلق الخلق فأخرجهم من العدم إلى الوجود وجعل منهم جمادا وناميا وحيوانا ، فكان ما سوى الجماد أصنافا ، منها بهائم وملائكة وجن وإنس ، ثم هي مختلفة المساكن من العلو والسفل فكان أشرف العالم السفلي هم الناس لعجيب تركيبهم ، ولما كرمهم اللَّه تعالى به من النطق ، وركب فيهم من العقول والطباع التي بها غاية التعبد بالشرائع ، ولم يخف موضع عظم المنة وجلالة قدر الموهبة لهم فأمروا بالشكر على هذه الكرامة في يوم من الأيام السبعة التي فيها أنشئت الخلائق وتم وجودها ، ليكون في اجتماعهم في ذلك اليوم تنبيه على عظم ما أنعم اللَّه تعالى به عليهم ، وإذا كان شأنهم لم يخل من حين ابتدئوا من نعمة تتخللهم ، وإن منة اللَّه مثبتة عليهم / قبل استحقاقهم لها ، ولكل أهل ملة من الملل المعروفة يوم منها معظم ، فلليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد ، وللمسلمين يوم الجمعة ، روي عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « يوم الجمعة هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا اللَّه له فلليهود غدا وللنصارى بعد غد » ولما جعل يوم الجمعة يوم شكر وإظهار سرور وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذي به تقع شهرته فجمعت الجماعات له كالسنة في الأعياد ، واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيرا بالنعمة وحثا على استدامتها بإقامة ما يعود بآلاء الشكر ، ولما كان مدار التعظيم ، إنما هو على الصلاة جعلت الصلاة لهذا اليوم وسط النهار ليتم الاجتماع ولم تجز هذه الصلاة إلا في مسجد واحد ليكون أدعى إلى الاجتماع واللَّه أعلم . الثاني : كيف خص ذكر اللَّه بالخطبة ، وفيها ذكر اللَّه وغير اللَّه ؟ نقول : المراد من ذكر اللَّه الخطبة والصلاة لأن كل واحدة منهما مشتملة على ذكر اللَّه ، وأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة والثناء عليهم والدعاء لهم فذلك ذكر الشيطان . الثالث : قوله : وَذَرُوا الْبَيْعَ لم خص البيع من جميع الأفعال ؟ نقول : لأنه من أهم ما يشتغل به المرء في النهار من أسباب المعاش ، وفيه إشارة إلى ترك التجارة ، ولأن البيع والشراء في الأسواق غالبا ، والغفلة على أهل السوق أغلب ، فقوله : وَذَرُوا الْبَيْعَ تنبيه للغافلين ، فالبيع أولى بالذكر ولم يحرم لعينه ، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة . الرابع : ما الفرق بين ذكر اللَّه أولا وذكر اللَّه ثانيا ؟ فنقول : الأول من جملة مالا يجتمع مع التجارة أصلا إذ